ابن خلدون
193
رحلة ابن خلدون
فهلك لهم الخفّ والحافر ، « 644 » وضاق ذرعهم « 645 » بالحصار من كلّ جانب ، وراسل بعضهم في الطاعة خفية ، فارتاب بعضهم من بعض ، فانفضّوا ليلا من الجبل ، وأبو زيّان معهم ، ذاهبين إلى الصحراء ؛ واستولى الوزير على الجبل بما فيه من مخلّفهم . ولما بلغوا مأمنهم من القفر ، نبذوا إلى أبي زيّان عهده . « 646 » فلحق بجبال غمّرة ، ووفد أعيانهم على السّلطان عبد العزيز بتلمسان ، وفاءوا إلى طاعته ، فتقبّل فيئتهم ، وأعادهم إلى أوطانهم . وتقدّم إليّ الوزير - عن أمر السّلطان - بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سباع ، للقبض على أبي زيّان في جبل غمّرة ، وفاء بحقّ الطاعة ، لأن غمّرة من رعاياهم ، فمضينا لذلك ، نجده عندهم ، وأخبرونا أنّه ارتحل عنهم إلى بلد واركلا « 647 » من مدن الصحراء ، فنزل على صاحبها أبي بكر بن سليمان ، فانصرفنا من هنالك . ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم ، ورجعت أنا إلى أهلي ببسكرة ، وخاطبت السّلطان بما وقع في ذلك ، وأقمت منتظرا أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته ، فارتحلت إليه . فصل وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النظم والنثر ، والمعارف والأدب ، لا ساجل مداه ، « 648 » ولا يهتدى فيها بمثل هداه .
--> ( 644 ) الخف للبعير والناقة ، بمنزلة الحافر للفرس . وفي الحديث : « لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر » ؛ فالخف الإبل . والحافر الفرس ، والنصل السهم يرمي به . ويكون الحافر للخيل والبغال والحمير . ( 645 ) ضاق به ذرعا : مثل يضرب للذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر ، والاقتدار عليه . ( 646 ) نبذ العهد : نقضه ، وألقاه إلى من كان بينه وبينه . ( 647 ) واركلا Wargla ) عرضها الشمالي 32 ، وطولها الشرقي 25 - 5 ) : مدينة بصحراء الجزائر في جنوب مدينة Tuggurt ، ويصل بينهما طريق تسلكه القوافل . وتقع في واحة بها ماء وكلأ ونخيل ؛ وبها تسمى الناحية كلها . ويقال لها : « واركلان » ، و « وارجلن » . انظر ياقوت 8 / 414 ، الإدريسي ص 120 بغية الرواد 2 / 23 ، 23 . ( 648 ) المدى : الغاية .